محمد حسين الذهبي

410

التفسير والمفسرون

الكلام وما تشاءون الطاعات إلا بعد أن يشاء اللّه تعالى ، ومشيئته تعالى قد كانت لها حال الاستقبال . وقد ذهب أبو علي الجبائي إلى أنه لا يمتنع أن يريد تعالى الطاعات حالا بعد حال ، وإن كان قد أرادها في حال الأمر ، كما يصح أن يأمر بها أمرا بعد أمر ، قال : لأنه قد يصح أن يتعلق بإرادته ذلك منا بعد الأمر وفي حال الفعل مصلحة . ويعلم تعالى أنا نكون متى علمنا ذلك كنا إلى فعل الطاعات أقرب ، وعلى هذا المذهب لا يعترض بما ذكروه . . . والجواب الأول واضح إذا لم نذهب إلى مذهب أبي على في هذا الباب . على أن اقتضاء الآية للاستقبال من أوضح دليل على فساد قولهم ؛ لأن الكلام إذ اقتضى حدوث المشيئة وأبطل استقبالها بطل قول من قال منهم : إنه مريد بنفسه ، أو مريد بإرادة قديمة ، وصح ما نقوله من أن إرادته محدثة مجددة . ويمكن في تأويل الآية وجه آخر مع حملنا إياها على العموم من غير أن نخصها بما تقدم ذكره من الاستقامة ، ويكون المعنى وما تشاءون شيئا من فعالكم إلا أن يشاء اللّه تمكينكم من مشيئتكم ، وإقداركم عليها ، والتخلية بينكم وبينها . وتكون الفائدة في ذلك الإخبار عن الافتقار إلى اللّه تعالى ، وأنه لا قدرة على ما لم يقدره اللّه تعالى عز وجل . وليس يجب عليه أن يستبعد هذا الوجه ، لأن ما تتعلق به المشيئة في الآية محذوف غير مذكور ، وليس لهم أن يعلقوا قوله تعالى « إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » بالأفعال ، دون تعلقه بالقدرة ، لأن كل واحد من الأمرين غير مذكور ، وكل هذا واضح بحمد اللّه . . . فأنت ترى من هذه المثل وغيرها لو رجعت إليها في مكانها أن الشريف المرتضى تأثر في تأويله للآيات القرآنية بعقيدته الاعتزالية ودافع بكل ما يستطيع عن مذهبه ، ورد كل شبهة ترد عليه بما يدل على قوة ذهنه وسعة اطلاعه . رفضه لبعض ظواهر القرآن كذلك نجد الشريف المرتضى - كغيره من المعتزلة - يرفض بشدة